الشيخ السبحاني
461
بحوث في الملل والنحل
أمّا الأوّل : فقد برهنوا عليه بوجوه مختلفة ، أوضحها ما أشار إليه أبو عبد اللّه البصري في عبارة مختصرة وقال : « إنّ كلّ عاقل يستحسن بكمال عقله التفرقة بين المحسن والمسئ ، وإنّما تفرق بينهما الحسنة وإلّا فلا نفع في ذلك ولا دفع ضرر » . قال القاضي عبد الجبّار : « ومعرفة حسن الأفعال أو قبحها كمعرفة حسن الصِّدق وقبح الكذب ، إنّما يعلم ببداهة العقول . أمّا استنباط وجوه الحسن أو القبح في فعل معيّن فذلك يحتاج إلى تفكير واستدلال ، ومن ثمّ لا تختلف العقول في التمييز بين حسن الأفعال وقبحها على وجه الجملة ، كمعرفة قبح الظلم ، ولكنّها تختلف في الحكم على الإفعال تفصيلًا ، فيستحسن الخوارج قتل مخالفيهم بينما تستقبح ذلك معظم فرق المسلمين » . « 1 » توضيحه : إنّ في الحكمة النظريّة قضايا نظريّة تنتهي إلى قضايا بديهيّة ، ولولا ذلك لعقمت القياسات وصارت غير منتجة ، ومثلها الحكمة العمليّة ، ففيها قضايا غير معلومة لا تعرف إلّا بالانتهاء إلى قضايا ضروريّة ، وإلّا لما عرف الإنسان شيئاً من قضايا الحكمة العمليّة . فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهيّة في الحكمة النظريّة من صميم ذاتها ، فهكذا يدرك بديهيّات القضايا في الحكمة العمليّة من صميم ذاتها بلا حاجة إلى تصوّر شيء آخر . مثلًا ، إنّ كلّ القضايا النظريّة يجب أن تنتهي إلى قضيّة امتناع اجتماع
--> ( 1 ) . المغني : 6 / 20 .